ابن الأثير

284

أسد الغابة ( دار الفكر )

ابن نصر ، حدثني أبو الأزهر أحمد بن الأزهر ، حدثنا مروان بن محمد ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرنا معان [ ( 1 ) ] بن رفاعة عن علي بن يزيد ، عن القاسم أبى عبد الرحمن ، عن أبي أمامة الباهلي قال : « جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، ادع اللَّه أن يرزقني مالا ، فقال : ويحك يا ثعلبة . قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه . ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول اللَّه ، ادع اللَّه أن يرزقني مالا ، قال : أما لك فىّ أسوة حسنة ، والّذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ، ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول اللَّه ، ادع اللَّه أن يرزقني مالا ، والّذي بعثك بالحق لئن رزقني اللَّه مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : اللَّهمّ ارزق ثعلبة مالا ، اللَّهمّ ارزق ثعلبة مالا ، قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود ، فكان يصلى مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الظهر والعصر ، ويصلى في غنمه سائر الصلوات ، ثم كثرت ونمت ، فتقاعد أيضا حتى صار لا يشهد إلا الجمعة ، ثم كثرت ونمت فتقاعد أيضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة ، وكان إذا كان يوم جمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذات يوم فقال : ما فعل ثعلبة ؟ فقالوا : يا رسول اللَّه ، اتخذ ثعلبة غنما لا يسعها واد ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، وأنزل اللَّه آية الصدقة ، فبعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم رجلا من بنى سليم ، ورجلا من بنى جهينة ، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذان وقال لهما : مرا بثعلبة بن حاطب ، وبرجل من بنى سليم ، فخذا صدقاتهما ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ، وأقرءاه كتاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقال : ما هذه إلا جزية : ما هذه إلا أخت الجزية : انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلى ، فانطلقا وسمع بهما السلمي ، فنظر إلى خيار أسنان إبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها ، فلما رأياها قالا : ما هذا عليك ، قال : خذاه فإن نفسي بذلك طيبة ، فمرا على الناس وأخذا الصدقة ، ثم رجعا إلى ثعلبة ، فقال : أروني كتابكما ، فقرأه فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي ، فأقبلا فلما رآهما رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قبل أن يكلماه قال : يا ويح ثعلبة ، ثم دعا للسلمى بخير ، وأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، فأنزل اللَّه عز وجل : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ إلى قوله وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ ( 2 ) ] وعند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة سمع ذلك ، فخرج حتى أتاه ، فقال : ويحك يا ثعلبة ، قد أنزل اللَّه عز وجل فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، فسأله أن يقبل منه صدقته فقال : إن اللَّه تبارك وتعالى منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثى التراب على رأسه ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني ، فلما أبى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أن يقبض صدقته رجع إلى منزله ، وقبض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ولم يقبض منه شيئا . ثم أتى أبا بكر رضى اللَّه عنه حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وموضعي من الأنصار فأقبل صدقتي ، فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول اللَّه منك ، أنا أقبلها ؟ فقبض أبو بكر رضى اللَّه عنه ولم يقبلها .

--> [ ( 1 ) ] في الأصل والمطبوعة : معاذ ، بالذال ، والصواب ما أثبتناه ، وينظر المشتبه : 599 . [ ( 2 ) ] التوبة : 75 ، 76 ، 77 .